يوسف المرعشلي

1181

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

تلمسان وسعيدة ومعسكر ومستغانم وغلزان والجزائر ووهران وغيرها . ثم في عام 1350 ه عاد إلى دمشق ثانية ، ومنها رحل إلى الهند مرة أخرى سنة 1353 ه صحبة أخيه ، فدخلا بومباي وحيدرآباد وبنكلور ، وعرّج على مصر وفلسطين والأردن ولبنان والعراق وأكثر مدن سورية ولبنان وقراهما . لم يزر من أوروبا إلا نابولي ومرسيليا ، ولينيا في إسبانيا وجبل طارق . كان في جميع رحلاته داعية إلى اللّه تعالى ، مخلصا له يدعو إلى الإسلام ، وأنه وحدة لا تتجزأ ، ومن خلال ذلك كانت له صلات ود وصداقة ، ونصح كثيرا للملوك والرؤساء ، حجّ سبع مرات منها ست مع والده والسابعة توفّي بعدها . تقلد عددا من الوظائف الدينية والإدارية ، فكان كاتبا أول للمجلس العلمي لجامعة القرويين منذ شهر شعبان عام 1355 ه ، وتولّى الإمامة بمسجد الحدادين بالنخالين منذ شهر شوال عام 1346 ه ، وخطب بمسجد أبي الجنود عددا من السنوات ، ودرّس « رسالة ابن أبي زيد » بزاوية الغازيين برأس الشراطين عدة أعوام ، وكان السلطان محمد الخامس عرض عليه منصب القضاء في بعض نواحي المغرب فاعتذر عنه . حصل على وسام رفيع من الدولة العثمانية جزاء إخلاصه للوحدة الإسلامية ودعوته لها . درّس بزاوية والده بالصفاح ، وبزاوية الغازيين برأس الشراطين ، وبزاوية سيدي أحمد الصقلي بالبليدة ، وبداره بسبع لوه يأت وغيرها ، فأقرأ « شمائل الترمذي » ، و « الأربعين النووية » ، وقسما كبيرا من « صحيح البخاري » ، و « الآداب الصوفية » للبوزيدي ، و « حكم ابن عطاء اللّه بشرح ابن عباد » ، و « رسالة ابن أبي زيد القيرواني » ، و « فقه ابن عاشر » ، وطائفة من « ألفية ابن مالك » . كان في دروسه واضح العبارة ، صحيح الفهم ، فاستفاد منه الكثيرون ، وتخرّجوا به ، منهم أخواه : محمد الطايع ، وإدريس ، وكذلك أولاده السيد محمد الكامل ، والسيد محمد المنتصر ، والسيد محمد الناصر ، ومن تلاميذه أيضا المهدي بن إدرس العمراوي ، وأحمد ابن سودة ، وعبد الرحمن بن عبد اللّه ، ومحمد البلغيتي ، وحسن بن عبد الوهاب ، ومحمد الفحصي ، ومحمد العطيطر ، ومحمد السردو ، وغيرهم . ترك عددا من المؤلفات ، والمذكرات والرسائل ، منها : - « رحلة الهند الأولى عام 1343 ه » . ( مجلد ) . - « رحلة الهند الثانية عام 1353 ه » . ( مجلد ) . - « ترجمة ذاتية » . ( في أكثر من مئة صفحة . لم تتم ) . - « ذكريات عن والده » . ( كراريس لم تتم ) - « مجموعة إجازة شيوخه له وإجازاته لتلاميذه » . - « مجموعة رسائل » . ( جمعها من المرسلة إليهم ولده السيد محمد المنتصر ) . - « مذكرات » . ( عدة دفاتر ومجاميع ) . وهو في كتابته لا يتكلّف سجعا ولا بديعا ، سهل الجمل فصيح ، وقد حوت مؤلفاته هذه قصصا تاريخية شاهدها ، وطرائف وقعت له سردها بروح إسلامية طيبة ، ومثل عليا كريمة . وله شعر قليل يشبه شعر الفقهاء . كان المترجم حلو الحديث والحوار والسمر ، جهوري الصوت جميله ، طيب العشرة في الحضر والسفر . يكظم غيظه ، ويصبر على الشدة والبلوى ، صادق اللهجة ، عفيف اللسان ، لا يغتاب أحدا . يتواضع ، ولا يحب الرئاسة ولا الترفّع ، يسعى في مصالح المسلمين بنفسه وجاهه وكل ما يملك ، لا يفتر لسانه عن ذكر ولا تلاوة ، قنوعا يرضى من دنياه بزاد الراكب ، أوصى له أحد أغنياء فاس باستغلال ثلث ميراثه ، وكان يزيد على مئة هكتار من أرض صالحة كلها للزراعة ، فترفّع عن قبوله ، وتركه لورثة الموصي ، ولم يتصرف في قليل ولا كثير . ورث عن آبائه بسطة في العلم والجسم ، فكان صلب العود ، نشيطا ، أسود الشعر ، قوي البنية ، لم يمرض إلا قبل موته بسنتين أو ثلاث حينما أصيب بضغط الدم ، وداء المفاصل ، وضعف القلب ، وانتفاخ الشرايين . وفي السنة الأخيرة من حياته اختاره الملك محمد الخامس في الوفد الملكي لموسم الحج ، فابتهج وحنّ